خليل الصفدي
122
أعيان العصر وأعوان النصر
ولا يخاف من ورد الحتوف إذا تكدّرت ، بلا عقل بلا دين يردانه عن الردى ، بلا لب بلا ثبات يصدانه عما يوجب الصدى ، قد ركب هو نفسه ، وذهل عن وجود حسّه ، لا يخشى عاقبة ، ولا له من اللّه - تعالى - مراقبة ، يقدم على الليث في غابة ، ويرد على المطلوب ولو أن فيه تمزيق إهابة . ولم يزل في سكر جنونه ، وسوء ما يتوهم في ظنونه ، إلى أن ركب الجمل مصلوبا وانعكس حسابه ، كان هذا المذكور قد ورد القاهرة في أيام القاضي شرف الدين النشو ناظر الخاص ، وأخذ يتعلق على خدمة الأميرين سيف الدين قوصون وسيف الدين بشتاك بواسطة طاجار الدوادار ، ولم يكن في ذهن الناس منه شيء ، إلى أن دخل مع الأمير قوصون وبشتاك على السلطان في معنى النشو - على ما سيأتي في ترجمة النشو - ، وخاف السلطان شره ، فأراد إبعاده ، وولاه قوص ، وتوفي السلطان الملك الناصر وهو في قوص ، ولما خلع الأمير قوصون الملك المنصور أبا بكر بعث به إلى قوص ، وكأنه سير إليه في السر بقتله فقتله ، وأخذ ما معه من الجواهر ، ولما جاء السلطان أحمد من الكرك وطشتمر والفخري طلبوه من قوص ، وسمروه على جمل ، وطافوا به شوارع القاهرة ، وشمت به الناس ، وسبّوه ولعنوه ، واعترف وهو على الجمل مسمر ، أنه هو الذي جرح القاضي شرف الدين النشو ، فقال : يا أهل مصر أنا ما أبالي بتسميري ، وقد قتلت ملك الكتاب وملك الترك في بلادكم ، فأنا الذي جرحت النشو ، وأنا الذي عمل عليه حتى أمسك وقتل ، وأنا قتلت المنصور أبا بكر سلطانكم وابن سلطانكم ، أو كما قال . وكان تسميره في أواخر سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة ، وكان المذكور رافضيا « 1 » ، واللّه أعلم بحاله ، وبما صار إليه في مآله . 1065 - عبد الواحد بن منصور « 2 » ابن محمد بن المنير ، العلامة عز القضاة فخر الدين الجذامي الإسكندري صاحب التفسير . سمع من السراج بن فارس « 3 » ، وتفقّه بعمه ناصر الدين « 4 » ، وله نظم ونثر ، وعمل
--> ( 1 ) سبق الحديث عن الرافضة في هذا الجزء . ( انظر : كتاب الفرق بين الفرق : 24 ) . ( 2 ) انظر : الوافي بالوفيات : 19 / 277 ، والبداية والنهاية : 14 / 163 ، والدرر الكامنة : 2 / 422 ، البدائع : 1 / 1 / 473 . ( 3 ) ابن فارس هو : عبد اللّه بن أحمد بن إسماعيل التميمي الإسكندراني ، المتوفى في سنة 685 ه . ( انظر : ذيل العبر : 5 / 353 ، وشذرات الذهب : 5 / 391 ) . ( 4 ) سبق ذكر ترجمة له .